فخر الدين الرازي
312
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بسم اللَّه الرحمن الرحيم سورة هود مكية ، إلا الآيات : 12 و 17 و 114 فمدنية وآياتها 123 نزلت بعد سورة يونس [ سورة هود ( 11 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ( 1 ) في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن قوله الر اسم للسورة وهو مبتدأ وقوله كِتابٌ خبره ، وقوله : أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ صفة للكتاب . قال الزجاج : لا يجوز أن يقال : الر مبتدأ ، وقوله : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ خبر ، لأن الر ليس هو الموصوف بهذه الصفة وحده ؛ وهذا الاعتراض فاسد ، لأنه ليس من شرط كون الشيء مبتدأ أن يكون خبره محصورا فيه ، ولا أدري كيف وقع للزجاج هذا السؤال ، ثم إن الزجاج اختار قولا آخر وهو أن يكون التقدير : الر هذا كتاب أحكمت آياته ، وعندي أن هذا القول ضعيف لوجهين : الأول : أن على هذا التقدير يقع قوله : الر كلاما باطلا لا فائدة فيه ، والثاني : أنك إذا قلت هذا كتاب ، فقوله : « هذا » يكون إشارة إلى أقرب المذكورات ، وذلك هو قوله : الر فيصير حينئذ الر مخبرا عنه بأنه كتاب أحكمت آياته ، فيلزمه على هذا القول ما لم يرض به في القول الأول ، فثبت أن الصواب ما ذكرناه . المسألة الثانية : في قوله : أُحْكِمَتْ آياتُهُ وجوه : الأول : أُحْكِمَتْ آياتُهُ نظمت نظما رصيفا محكما لا يقع فيه نقص ولا خلل ، كالبناء المحكم المرصف . الثاني : أن الإحكام عبارة عن منع الفساد من الشيء فقوله : أُحْكِمَتْ آياتُهُ أي لم تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع بها . واعلم أن على هذا الوجه لا يكون كل الكتاب محكما ، لأنه حصل فيه آيات منسوخة ، إلا أنه لما كان الغالب كذلك صح إطلاق هذا الوصف عليه إجراء للحكم الثابت في الغالب مجرى الحكم الثابت في الكل . الثالث : قال صاحب « الكشاف » أُحْكِمَتْ يجوز أن يكون نقلا بالهمزة من حكم بضم الكاف إذا صار حكيما ، أي جعلت حكيمة ، كقوله : آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ [ يونس : 1 ] الرابع : جعلت آياته محكمة في أمور : أحدها : أن معاني هذا الكتاب هي التوحيد ، والعدل ، والنبوة ، والمعاد ، وهذه المعاني لا تقبل النسخ ، فهي في غاية الإحكام ، وثانيها : أن الآيات الواردة فيه غير متناقضة ، والتناقض ضد الإحكام فإذا خلت آياته عن التناقض